الاثنين، 19 يناير، 2009

إتحاد المدونين .. قيود للحرية ام تصحيح المسار


حسين فاروق

يحتد الخلاف بين عدد من الأكاديميين والمدونين حول ضرورة وضع ضوابط ومواثيق تنظم العملية التدوينية وتضعها في مسارها الصحيح باعتبار أن المدونات هي أداة من أدوات الإعلام الجماهيري والتي وجدت طريقها سريعا بين الجمهور لما تتمتع به من ديمقراطية في التعبير ومناقشة القضايا الحساسة دون قيود أو رقابة من أي جهة، وعوضت العامة عن غياب المصداقية في الصحف القومية وعن فشل التمثيل الديمقراطي للبرلمانيين بالإضافة إلى غياب الأحزاب المعارضة عن التمثيل الواعي والحقيقي بما يحقق طموحات المواطن، وأصبحت منافسا للصحف المطبوعة بل وتتفوق عليها في كثير من الأحيان.

ويؤيد عدد من الأكاديميين ضرورة وجود إتحاد للمدونين يقوم بوضع أطر ومعايير محددة يتبعها المدونون، وتوجيه المدونين بعيدا عن اللامهنية، والألفاظ والعبارات الخادشة للحياء الموجودة على عدد من المدونات المنتشرة على فضاء الانترنت.

ويرى المدونون أن هذا الإتحاد سوف يقيد حريتهم في الكتابة والتعبير وسوف يلزمهم بضوابط تمنعهم من أداء واجبهم نحو الجمهور بإتاحة المعلومات دون رقابة.

وبين هذا وذاك تبقى قضايا الديمقراطية والحرية واللامهننة الصحفية والمعايير الأخلاقية هي الشغل الشاغل لكل من الأكاديميين والمدونين، خاصة وأن هناك تجارب سابقة أججت عدم الثقة بين ما أسماه الأكاديميون مواثيق أو كود أخلاقي وبين المدونين ودفاعهم عن حرية الرأي، ووثيقة البث الفضائي ليس منا ببعيد.

ضروري للتنظيم

في البداية يقول دكتور محمود خليل أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة أن أي ظاهرة يجب أن تخضع لنوع من التنظيم، هذا التنظيم ليس المقصود به إيجاد قيد على حرية التعبير وإنما المراد به تكوين اطر مشتركة للتفكير ولتبني مجموعة القضايا والتحديات التي تواجهها، مشيراً إلى أن ظاهرة التدوين لها ثقلها الكمي في مصر، فهناك 160 ألف مدونة مصرية من أصل 480 ألف مدونة عربية طبقاً لآخر الإحصائيات.

وأضاف خليل أن التدوين ينظر إليه كشكل من أشكال صحافة المواطن وبالتالي فلا بد أن ينظر إلى الرسالة الإعلامية التي ينتجها المدون على أنها تقع في الدائرة المهنية وخصوصا أن بعض المدونين في أمريكا مثلا يطلبون لأنفسهم حقوق الصحفيون ويعتبرون أن ما يقدمونه شكل من أشكال الصحافة.

وأوضح خليل أن التدوين يحتاج فقط إلى التطوير النوعي بشكل يجعلها أداة إعلامية حقيقية في يد المواطن المصري والعربي، وربما كان تكوين إتحاد للمدونين يصب في هذا الاتجاه، يضاف إلى ذلك – والكلام للدكتور محمود خليل- ما يمكن أن يلعبه هذا الإتحاد من دور في الدفاع عن حق حرية التعبير للمدون وخصوصا أن بعض المدونين مطاردين داخل عالمنا العربي.

وقد طرح دكتور شريف درويش أستاذ الصحافة بكلية الإعلام جامعة القاهرة في وقت سابق خلال المؤتمر العلمي الخامس لأكاديمية أخبار اليوم، فكرة إنشاء إتحاد للمدونين يقوم بوضع أطر وقواعد تنظم عملية التدوين لتدفع به في الإطار الصحيح له باعتباره جزء من الإعلام الجماهيري، وأكد درويش على أن ميثاق هذا الإتحاد يجب وضعه من قبل المدونون أنفسهم لا غيرهم لأنهم أجدر بمعرفة احتياجاتهم ومتطلباتهم عن غيرهم، مضيفاً أن إنشاء إتحاد للمدونين مهم جدا للابتعاد به عن البذاءات والأسلوب غير المهني الذي يتبعه عدد من المدونين، مشيراً إلى ضرورة وجود دور لنقابة الصحفيين والمؤسسات الأكاديمية في تبني هؤلاء المدونون وتوجيههم.

أداة للتطوير.. ولكن

وعن فكرة إنشاء إتحاد للمدونين في مصر تقول الدكتورة نجوى فهمي الأستاذ بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة عين شمس، أن الإتحاد عمل ايجابي طالما أنه يهدف إلى تطوير المجال، وخاصة أانه يمكن استغلال ذلك في التواصل مع المدونين الموجودين في جميع أنحاء العالم، مما يمكن المدونون من الاطلاع على أحدث الأفكار العالمية وتبادل الخبرات وإيجاد نوع من التواصل الفكري مع الثقافة الخارجية ، مضيفة إلى انه من الممكن لهذا الإتحاد أن يكون له دور في تعريف الجمهور بالقهر والضغوط التي يتعرض لها المدونين.

وعن البذاءات الموجودة على عدد من المدونات تقول دكتورة نجوى أن هذه البذاءات والألفاظ الخادشة للحياء هي تعبر عن شخصية كاتبها وتعرف القارئ عن هوية الكاتب، وأشارت إلى انه إذا قدر وتم إنشاء الإتحاد فانه يجب أن يكون بعيدا كل البعد عن المواثيق الإعلامية المتعارف عليها، فالعمل التدويني عمل حر ينتمي إلى "الإعلام الشعبي" وهو يختلف عن العمل الإعلامي التقليدي، فكل فرد يعبر عن ما يريده من خلال مساحة معينة.

ويرى دكتور محمود السماسيري أستاذ الصحافة بجامعة سوهاج، أن إنشاء إتحاد للمدونين قد يكون أداة لدعم وتطوير المدونين والتدوين بصفة عامة، من خلال تصحيح المسار المهني لكثير من المدونين والبعد عن اللامهنية السائدة في كثير من الأعمال التي نجدها في المدونات، ومن ناحية أخرى لم يستبعد السماسيري أن يكون هذا الإتحاد أداة ضغط على المدونين من خلال تغلغل جهات رقابية في آليات عمل هذا الإتحاد، ووضع القواعد التي تخدم أهدافه وخططه، وبالتالي تقيد حرية المدونين في التعبير عن أرائهم.

وأضاف الدكتور السماسيري أن المدونين في مصر يتمتعون بقدر من الحرية اكبر مما يتمتع به نظرائهم في الدول العربية الأخرى، مشيراً إلى أنه هناك فهم مغلوط للحرية في عالمنا العربي، فالإختلاف يولد الإبداع والتجديد، وكل فرد يجب أن يكون له الحق في الكلام والتعبير عن رأيه.

ويقول محمد فتحي المدرس المساعد بقسم الإعلام بكلية الآداب جامعة حلوان أنه من الخطورة أن يتم وضع المدونين في إطار أو إتحاد لان ذلك من الممكن أن يقيد حريتهم، هذه الحرية التي تميز المدونات عن الصحافة المطبوعة، وتساءل فتحي عن الجهة التي سوف تباشر عمل هذا الإتحاد في حال إقامته؟ ومن الذي سيرأسه؟ وأسباب قيامه؟ والفوائد التي سوف تعود على المدونين من جراء هذا الإتحاد؟ وأوضح أن كل هذه التساؤلات يشوبها الغموض

وأوضح فتحي أن المدونات بوضعها الحالي وصلت للعالمية في إشارة إلى مدونة " الوعي المصري " لوائل عباس، ومدونة "جار القمر"، ومدونة "عايزة أتجوز" ومدونة "منال وعلاء " مؤكدا على أن المدونين يجب أن ينطلقوا في تدويناتهم بكل حرية وعدم وضعهم في قيود تحكم عملهم.

"نضال الكيبورد"

وترى المدونة نوارة نجم أن التدوين شئ شخصي وفعل تفكيري لإنضاج ذهن الشباب المصري، فالمدون يلجا للكتابة بدون قيد، وهو في الأصل يعبر عن حياته الشخصية وعن رؤيته للأمور بعيداً عن أي أطر أو مواثيق تحكم عمله، مضيفة أن التدوين ليست مهنة وبالتالي فان عمل رابطة سوف يحولها إلى مهنة وتفقد حريتها التي تتمتع بها.

ووصفت نوارة المدون بـ "مناضل الكيبورد" الذي يجاهد لإيضاح الحقيقة للجمهور، مشيرة إلى أن التدوين هو حيلة دفاعية قام بها الشباب المقهور للتعبير عن نفسه وطموحاته، مؤكدة أن أي محاولة لقيام إتحاد للمدونين مصيرها الفشل.

وترى غادة عبد العال صاحبة مدونة ( عايزة أتجوز) انه لا يمكن عمل هذه الفكرة وذلك لاختلاف مجالات اهتمامات المدونين مضيفة انه في حاله قيامه فانه سوف يكون غير معبرا عن المدونين لأنه سوف يسند إلى المدونين المشهورين أو المدعمين من جهات معينة وبالتالي فلا فائدة من قيامه.

وأكدت غادة أن مثل هذه الإتحادات سوف تقيد حرية التعبير لدى المدونين، مشيرة إلى أن المدون مثل رجل الشارع العادي يقول ما يرغب أن يقول في الوقت الذي يحدده ويريده.

كيان غير متجانس

ويقول أحمد الدريني صاحب مدونة (أقولها على طريقتي ..)، أن الفكرة في حد ذاتها "سخيفة"، فكيان المدونين غير متجانس ولا يمكن تجميعهم تحت إطار واحد، فالمدونات – والكلام لـ الدريني- هي نتاج مجموعة من الآراء التي كان يعبر عنها قبل ذلك من خلال المجموعات البريدية والمنتديات الإلكترونية، ويضيف الدريني أن الفكرة هي التي تطور من نفسها وليس الإتحاد.

وتنبأ الدريني بخروج حركة عن التدوين تعبر عن أهدافها وطموحاتها بعيدا عن قيدها أو وضعها في إتحاد من الممكن أن يُمارس عليه ضغط من أية جهة، مؤكدا أن هذه الحركة إذا قامت سوف تصنع فاعليات وممارسات تعطي التدوين والمدونين قوة وحرية أكثر من الموجودة الآن.

ويتفق معه في الرأي احمد ناجي صاحب مدونة "وسع خيالك" الذي يصف الفكرة بأنها "تهريج" حيث أن هذا الإتحاد لا يعبر بأي حال من الأحوال عن المدونين، وأضاف ناجي أن التدوين ليست مهنة حتى يدَّعي أصحاب الفكرة بأن المدونون بعيدون عن المهنية الصحفية، كما أن المدونون لا يكسبون مالا من جراء تدويناتهم مثل الصحفيون، ورأى أن هذا الإتحاد إذا قام سوف يكون أداة لتحجيم حرية الرأي والتعبير التي تتمتع بها المدونات، وأكد ناجي على ضرورة دعم الأكاديميون للمدونين والمدونات في وضعها الحالي التي انتشرت وأخذت الشعبية من خلاله.

تحديد الأهداف .. أولا

وتختلف المدونة ولاء الشملول عن أقرانها من المدونين في تأييدها لإنشاء هذا الإتحاد، وتقول ولاء أنها تؤيد إنشاء الإتحاد لوضع حد للبذاءات والصور المخلة الموجودة على العديد من المدونات، واشترطت ولاء أن يتم تحديد أهداف ومعايير التي يقوم من اجلها هذا الإتحاد وان تكون هذه المعايير مفهومة وواضحة، مؤكدة على أن الكلمة مسؤولية وحرية التعبير لا تجعل المدون يفقد هذا الإحساس بالمسؤولية.

وأشارت ولاء إلى أن هذا الإتحاد يجب أن يبتعد عن أي جهات ضغط وان يقوم المدونون بوضع أطره ومعاييره بالتعاون مع الأكاديميين المتخصصين في المجال.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق